حاورها: عبدالجبار العلمي
تعريف مختصر بالكاتبة :
لينا كيلاني أديبة سورية كرست جهودها في مجال الكتابة لأدب الأطفال ولأدب الخيال العلمي قصة ورواية ، فضلا عن الرواية ذات الاهتمام بقضايا العلم والتكنولوجية الحديثين وتأثيرهما في حياتنا المعاصرة ومصير الإنسان عموماً . درست الهندسة الزراعية و بدأت كتابة أدب الأطفال في سن مبكرة ، ونشرت أول كتـــــــاب لها في بداية دراستها الجامعية. لها مساهمات عديدة في الأعمال التلفزيونية الموجهة للأطفال سواء في التلفزيون السوري أو التلفزيون المصري . ترجـم بعض أعمالــــــها إلى عدة لغـــــــــــات أجنبية ، كان آخرها (الســـيرة النبويــــة الشريفة) الصــادرة باللغة الإنكليزيــة إلى اللغــــــــات الإســـــــكندنافية ، وكذا إلى اللغتين الفرنسية والإسبانية. لها مقالات عديدة في الصحافة العربية ، وأبحاث ودراسات ساهمت بها في مؤتمرات عديدة. تتميز تجربتها الكتابية بغزارة الإنتاج ، حيث يبلغ عدد مؤلفاتها: 162 مؤلفاً يتوزع بين الكتابة للأطفال و بين الرواية وأدب الخيال العلمي قصة ورواية. والجدير بالذكر أن المؤلفة هي ابنة الأديبة القاصة الروائية السورية (قمر كيلاني) التي كانت من كتاب جريدة ” العَلَم ” أثناء عملها ببلادنا في أواخر سنوات الستين. من أعمالها في مجال الرواية : الاختيــــار ـ بذور الشيطان ـ الأزهار الشريرة ــ الرأس المفتوح ـ العمر الوضاء في جزيرة الفضاء ـ لودميلا .
الحوار :
س1ـ يقول الأستاذ عبدالفتاح كيليطو: “إذا أردتَ أن تفهمَ كتابةَ مُؤلِّف، فعليك أن تسأله عن دراسته الابتدائية لأنها مرحلة حاسمة، وفيها يتحدد كل شيء”. أود أن تحدثي قراءك في أول هذا الحوار عن هذه المرحلة.
ج1ـ مرحلة الدراسة الابتدائية تعني الطفولة في مراحلها الأولى.. تلك الفترة الزمنية هي التي شكلتني، وشكلت هواياتي، وطموحاتي، وما أحب، وما لا أحب..وكانت غنية جداً بالاهتمام الأسروي لكوني الابنة الوحيدة لأسرتي.. غُمِرتُ فيها بعالم ملون جميل مازلت أحمل نبضاته حتى الآن رغم السنوات الطوال التي باتت تفصلني عنه. وكنت إذا ما انفتحت أمامي صفحات الكتب التي كانت تضيق بها مكتبتي الصغيرة، أو انتثرت عُلَبُ التلوين فوق الصفحات البيضاء فكأنما كانت تنفتحُ أمامي عوالم سحرية مملوءة بالبهجة تسحبني إليها ، وأنا في حالة من الفرح والدهشة معاً.. هذه الدهشة الطفولية ظلت ترافقني في كل تفاصيل الحياة.
أما الكتب المدرسية، وكان بعضها يبثُّ المعلومة في سياق القصة، فهي التي دفعتني في ذلك العمر الصغير لأن أقلدها، وأنا أقول لنفسي: لماذا لا أكتب قصصاً تشبه هذه؟.. وهكذا بدأت أولى تجاربي، ومحاولاتي في الكتابة، وأنا أحلمُ أن أصبحَ كاتبة مشهورة مثل أمي كلما رأيت اسمها في جريدة، أو مجلة، أو فوق غلاف كتاب، وأكتب اسمي بخط صغير تحت اسمها.. ولم أكن أدري آنذاك أن الحلمَ سيصبحُ حقيقة، وأن قصصي فيما بعد ستنضم إلى كتب المنهاج المدرسي للمرحلة الابتدائية.
س2ـ عشتِ في بيت علمٍ، وثقافةٍ، وأَدب، فقد كانتْ رَبَّتُهُ هي والدتَكِ الأديبة الروائية السورية (قمر كيلاني) رحمها الله. ما مدى تأثيرِ السيدة الوالدة في مساركِ الأدبي واتجاهكِ المبَكِّر إلى الكتابة؟
ج2ـ كيف لطفلة تنشَاً مغمورةً بالرعاية، والاهتمام الفائقين في بيتٍ يتنفسُ هواءَ الفكر والأدب والفن، وتنتثرُ فيه الكتبُ، واللوحاتُ الفنيةُ، وتُخَصَّصُ فيه زاويةٌ للاستماع الموسيقي، ويزورُهُ مشاهيرُ الأدباء والشعراء من الوطن العربي، ومن خارجه.. أقول كيف لمن نشأ في بيئة كهذه ألا يتأثر بها؟.. صحيح أن للموهبة دورَها الأكبر ، لكنْ للبيئة التي تنبتُ بها الموهبة أثر بالغُ الأهمية أيضاً.
أُمي لم تكن تشجعني على أن أتجه في مسار أدبي، بل حرصتْ كل الحرص على أن أكون في الاتجاه العلمي، لكن هاجس الأدب، والفن كان يسحبني دوماً باتجاهه، فبدأت أكتب قصصاً للأطفال، وأنشرها في الصحيفة الرسمية، وأنا ما أزال في مرحلة الدارسة.. وأمي لم تكن مقتنعة بذلك، أو متأكدة من مقدرتي على المضي في هذه الطريق، حتى إنها كانت تعارضني في كثير من الأحيان. وإذا ما لجأت إليها أسألها المساعدة استجابت على مضض.. حتى جاء الوقت الذي صدقت فيه موهبتي، ورضخت لرغبتي نتيجة إصراري ، فأصبحت معلمتي التي علمتني أسرار الكلمة، ورعتني كما ترعى زهرة.
س3ـ اتَّجَهْتِ إلى الكتابة في جنسين أدبيين لا يخوضُ غمارَهما إلا قلةٌ قليلة من أدبائنا. الأول: الأدب الموجَّه إلى الطفل أو بالتحديد “القصة النثرية بوصفها جنساً من أجناس أدب الأطفال”، وهو لا يتم الاهتمام به، والكتابة فيه إلا من لدن عدد قليل من أدبائنا مشرقاً ومغرباً. والمعروف أن ظهور الكتابة فيه تأخر عند العرب إلى القرن 19 مع ناصف اليازجي، ورفاعة الطهطاوي الذي ترجم حكايات “تشارلز بيرو” صاحب قصة “ذات القبعة الحمراء” كما ورد في المقالة المنشورة في صحيفة “العرب” لحسن الوزاني (عدد السبت 8 / 6 / 2019)؛ والثاني: أدب الخيال العلمي (رواية الخيال العلمي) الذي يعرف ندرة مشهودا بها من لدن كبار الدارسين الذين عنوا بدراسته في أدبنا المعاصر. وبيبليوغرافيا رواية الخيال العلمي المنشور جزء منها في عدد (فصول) الذي خصصته المجلة لهذا النوع الأدبي، يشهد شهادة أكاديمية على ذلك. ما سر اختيارك الكتابة في هذين الجنسين الأدبيين ؟
ج3ـ قصتي مع أدب الأطفال بدأت عندما اختارني هذا الجنس الأدبي لأن أكتبَ فيه قبل أن أختارَه.. فأنا كما ذكرت بدأت بالكتابة في عمر صغير جداً، ولو كان زمن المعلوماتية قد دخل حينذاك ، لكان أذاع عن أصغر كاتبة تكتب للأطفال.. وأذكر أنني عند صدور كتابي الأول (العصافير لا تحب الزجاج) تقدمت الى اتحاد الكتّاب العرب بطلب انتساب لأنضم إلى عضويته، وكانت والدتي حينذاك تشغل منصب أحد أعضاء مكتبه التنفيذي. وهي من المؤسسين لاتحاد الكتّاب العرب، كما لاتحاد الصحفيين في سوريا في الوقت ذاته، لكن طلبي رفض بدعوى (صغر السن). في ذلك العمر المبكر عندما بدأت بالكتابة لم أكن لأقْدِرَ إلا على مخاطبة الصغار الذين لا تفصلني عنهم سوى أعوام قليلة، بل ربما كنتُ في المرحلة العمْرية الأخيرة من عمر الطفولة.. فكانت المفاجأة أنَّ هؤلاء الصغار أحبوا القصص، وانسجموا معها لأنها كانت قريبة من عوالمهم، وتخاطبهم من داخل عقليتهم، وترى بأعينهم.. حتى إن استفتاءً للأطفال أجرتْهُ الجريدةُ (جريدة تشرين) آنذاك ، يسأل عن الكاتب المفضل لدى الأطفال، وكان كبار كتابنا في تلك الفترة قد بدؤوا بالتوجه نحو الكتابة للطفل ، فجاءت نتيجة ذلك الاستفتاء لصالحي مما اضطر الجريدة لإلغائه.. تلك الحادثة الصغيرة أثرت فيَّ كثيراً، جعلتني أكثرَ إصراراً على الانتماء لهذا الجنس الأدبي.. فَعُرِفْتُ من خلاله، وكأنني عكست المقولة، فالكاتب عادة لا يتوجه إلى أدب الطفل إلا بعد أن تكتمل تجربتُه الأدبية وتنضجَ لأنه كما هو معروف من أصعب الأجناس الأدبية ، ذلك لأنه السهل الممتنع.. إلا أن تجربتي ولها خصوصيتها كانت عكس ذلك، وأصبحتُ بالتالي وكأنني كاتبةٌ تخصصت في أدب الأطفال.
تلك كانت الخطوات الأولى.. لكنني كنت كلما تدرجت في العمر كلما أصبحت لدي الأفكارُ أكثر نضجاً وعمقاً مما لم يعد يصلح طرحه لأطفال المرحلة العمْرية الثانية والتي كنت أتوجه إليها تحديداً في كل ما سبق من قصصي، وهكذا كانت النقلة إلى رواية الشباب، ومن بعدها رواية الكبار. أما الخيال العلمي فلم أكن بعيدة عنه أصلاً لأن أغلب قصصي كانت تدور حول معلومة علمية بسيطة تصل إلى الطفل في قالب القِصة، أو أنها القصة العلمية التي تأتي في إطار الأدب. وشغفي العِلْمي الذي يدفعني لأن أتابع كل جديد كان عاملاً محفزاً لأن أكتب فيما بعد في مجال (الخيال العلمي).
وهكذا كانت أول رواية لي (الاختيار)، أو (رواية المستقبل) في طبعتها الأولى التي كُتبت في أواخر التسعينيات، ومازال الذي ورد فيها يظهر تباعاً على ساحة ما يستجد من الكشوفات، والمخترعات.. وكان لها السبق في التنبؤ بما سيكون بعد عقود من الزمن.
س4ـ ثمة ميزةٌ يتميز بها مَتْنُكِ الروائي (“بذور الشيطان” ـ “الاختيار” ـ “لودميلا”ـ” الرأس المفتوح”) عن الأعمال الروائية التي تكتبها معظم الأديبات العربيات، تلك هي استبعاد الأنا واستعمال الضمائر الأخرى على اعتبار أن الهموم التي تتحدثين عنها هي هموم موضوعية تهم المجتمع الإنساني، وليست همومَ المرأة الذاتية والتعبير عن معاناتها من القهر والتهميش والدونية في مجتمع ذكوري قاهر. لقد تجاوزت أنتِ في أدبكِ الروائي هذا المستوى، وانفتحتِ على قضايا إنسانيةٍ عامة تهم مصير الإنسان في كل مكان من هذا العالم. كيف تفسرين هذا الانزياح عن الكتابة الروائية التي تكتبها المرأة العربية، وما الموضوعات التي تعالجينها في رواياتك ؟
ج4ـ قد تستغرب أنتَ، وكذلك القارئُ لو قلتُ إنني لم أشعر بهذا الواقع الذي وصفتَهُ في سؤالك بأنه القهر، والتهميش في مجتمع ذكوري، رغم أنه لا شك قائم.. أو أنني لم أعشه لأعاني منه، وبالتالي تنعكس أجواؤه في أعمالي الروائية.. ولم تكن مثل هذه الموضوعات، أو القضايا لتشغلني، أو لتثير اهتمامي في متابعتها، ورصد ظواهرها في المجتمعات عموماً، وبالتالي فقد انسحبتُ نحو عوالم أوسع، وأكثر عمقاً وشمولية من هموم الجسد، والعاطفة، والعلاقة المرتبكة بين المرأة والرجل.
أما القضايا التي دارت حولها رواياتي التي ذكرت، فلطالما شغلتني في متابعتها، والاطلاع عليها، وعلى مدى تأثيرها على المجتمعات سلباً، وإيجاباً.. وكانت عوالمها التي أجدها مثيرة ومشوقة تسحبني إليها فلا أجد نفسي إلا وأنا أبني عالماً روائياً يدور في فلكها.. فرواية (بذور الشيطان) مثلاً كانت تتحدث عن تجربة البذار المحسن وراثياً في تجربة قامت بها الولايات المتحدة في أرض أفغانستان التي حرثتها الحروب بعد غزوها لدراسة مدى تأثير ذلك البذار المعدّل على البشر على المدى البعيد، وبعيداً عمن قام بتحسين تلك البذور ليبقى في مأمن من شرورها.. أما رواية (الاختيار) والتي صدرت في طبعات مختلفة عن عدة جهات للنشر، وهي ثلاثية روائية فقد اختصرت في جزئها الأول منجزات الهندسة الوراثية والاستنساخ في عمل روائي لم يغفل في جزئه الثاني عن أخطاء العلم القاتلة، والتي كانت في (جزيرة المسوخ)، ليأتي (الاختيار أم الانفجار) في الجزء الأخير من الثلاثية وهو يبرئ العلم من آثام الشيطان. وهكذا الحال أيضاً مع رواية (الرأس المفتوح) التي تنبأت بإمكانية زرع الشرائح الإلكترونية في الأجساد البشرية قبل أكثر من عقد من الزمن. إلا أن رواية (لودميلا) كانت استرجاعاً للكارثة الأكبر التي حلت في الثمانينيات من القرن الماضي عند انفجار مُفاعل (تشيرنوبيل) الذَّري، وهي تنسج عالماً متخيلاً رغم أنه يكاد يكون حقيقياً ، وهو يرصد بدقة ما حل بالبشر جراءَ تلك الكارثة المرعبة. فهل لي بعد ذلك أن أستغرق في رواياتي في عالم هموم صغيرة أو مفتعلة، أو دون العادية؟.. ما أظن هذا.
ولعل موضوعات الأعمال الأدبية التي اخترت أن أكتبَ فيها قد فَرَضتْ نفسَها عليّ فاخترتُ جانباً واحداً من جوانبِ شخصيةِ المرأة حسبما يقتضيه العملُ الأدبي في هذا الجانب تحديداً، وربما لأنني لم أكتب في القصة الواقعية، أو التي تتحدث عن هموم المرأة، أو علاقتها بالرجل والمجتمع، وما إلى ذلك، فقد كانت شخصياتي الأنثوية ذاتَ ملامحَ محددةٍ جداً كما لو أن يدَ رسَّام التقطتْ تعبيراً ما، أو جانباً ما من هذا الوجه.
س5ـ عَلِمتُ منكِ ـ منذ سنوات ـ أنك كتبتِ عشرين كُتَيِّباً عن (السيرة النبوية الشريفة) صدرت باللغة الإنجليزية، وتمَّ طبعُها في حلة أنيقة، وكذلك كتبتِ عن عدد من الصحابة الذين يمثلون القيمَ الإيجابية في الإسلام الحنيف، وجميعُها مَوَجَّهَةٌ إلى أطفال العالم. نود أن تَذْكُري لنا عن تلك التجربة، وما حوافِزكِ إلى الاضطلاع بهذا العمل؟
ج5ـ قصة (السيرة النبوية الشريفة) التي كتبتها على مدى عشرين جزءاً كانت تجربة مختلفة، ومميزة أخذتني في مسار جديد عندما طلبتْ مني إحدى المؤسسات الأدبية (مؤسسة مناهج العالمية) لأن أكتب عنها.. تجربة كانت موفقة الى حد بعيد إذ أن تلك السلسلة برسومها المميزة، وطباعتها الأنيقة بعد أن صدرت باللغة الإنكليزية تمت ترجمتها إلى لغات عدة منها: الفرنسية، ومؤخراً الإسبانية، ومن قبلُ كانت قد صدرت باللغات الاسكندنافية الخمس: (الفنلندية، والسويدية، والدانماركية، والآيسلندية، والنرويجية). وهذه السلسلة هي موجهة أصلاً لأبناء الجاليات العربية في الغرب ممن لا يُتقنون اللغة الأم، وفي الوقت ذاته للقارئ الغربي ليطلع على السيرة النبوية الشريفة بأسلوب بسيط، ممتع، ومقنع بآنٍ معاً. وحرصتُ أثناء كتابتها أيضاً على تسليط الضوء مهما كان صغيراً على جوانب الرحمة، والرأفة، وحسن التعامل مع الآخر، ومع كل ما هو في محيط البيئة مما تدعو إليه تعاليمُ الدين، ومما يلقى استحساناً لدى القارئ الغربي وهو ليس ببعيد عن جمعيات حقوق الإنسان، وحقوق الحيوان، وحقوق البيئة في الحفاظ عليها.
أما السلسلة الأخرى التي كتبت فيها فهي عن صحابة رسول الله (ص) والصادرة عن مؤسسة فكرية عريقة هي (دار المعارف) في مصر، وكان لي الحظ في عدد ليس بقليل منها، واعتمدت من خلالها على أسلوب القصة التي تتحدث من دواخل الأبطال ليكون النص غير تقليدي، أو كما درج في كتابة مثل هذه السير.. وليكون النص بالتالي أقرب إلى عالم الطفولة، والسلسلة هي بالأساس موجهة للأطفال.. لكن هذا لم يمنع من أن يقرأها الكبار أيضاً، ويستمتعوا بسيرة هؤلاء الصحابة الكرام. وقد صدرت تلك الكتب في طبعات عدة نظراً للإقبال عليها.
ولا أنسى في هذا السياق مجلة (Q Kids)التي كانت تصدر باللغة الإنكليزية، وكانت لي مساهمات فيها بقصص من التراث العربي والإسلامي الزاخر بكنوزه.
س6ـ من الجدير بالملاحظة شغفك بالكتابة الصحافية المتمثلة في كتابة فن المقالة سواء تلك التي تواكبين فيها بعض الظواهر الاجتماعية، أو الأحداث الطارئة، أو تلك التي تعالجين فيها قضايا تتعلق بمستجدات العلم والآثار السلبية والإيجابية للتكنولوجية الحديثة. هل يعني هذا أن الكتابة الإبداعية لا تشفي الغليل في معالجة قضايا الناس ومشاكلهم الآنية المستجدة؟
ج6ـ مادمت أتفاعل مع تفاصيل الحياة، وكل ما يحيط بنا في وقائع أيامنا ، فلابد أن تثير اهتمامي موضوعات دون سواها لا تجد سبيلاً للتعبير عنها إلا من خلال جنس أدبي هو (المقالة)، ولكنها المقالة الأدبية تلك التي تنتمي إليها كل مقالاتي التي كتبتها، وأواظب عليها في مساحة حرة لمقال أسبوعي لي في إحدى الصحف الرسمية في سوريا وهي صحيفة (الثورة). تلك الزاوية الأسبوعية التي أصبحت أتنفس من خلالها كانت لأمي في مقالاتها الأسبوعية والتي لها مسيرة طويلة معها، وبدعوة كريمة من الصحيفة آلت تلك الزاوية الصحفية إليّ مع مطلع عام 2012.. صحيح إن المقال الأسبوعي قد يشكل عبئاً على الكاتب في العثور على ما هو جديد حتى لا يكرر الكاتب نفسه إلا أنها في الوقت ذاته نافذة مضيئة للتواصل مع القارئ، خاصة وأننا في زمن الرقمية الذي يتيح التواصل، والتفاعل المباشرين بين مَنْ يكتب، ومَنْ يقرأ.
ولعل من الموضوعات المعاصرة التي قد لا يلتفت إليها كثير من الكتّاب ما شغل مساحة لا بأس بها من مقالاتي. ومن قبلها كانت لي تجربة مميزة في مقال شهري على مدى عدة سنوات لدى دورية كانت تصدر عن جامعة (السلطان قابوس) في عُمان، تلك التجربة هي التي جعلتني أتنبه إلى موضوعات آنية، وغير آنية والمقالة هي السبيل للتعبير عنها بعيداً عن القصة، والرواية، أو أي جنس أدبي آخر.
صحيح إن الرواية، والقصة تستطيعان أن ترصدا كل الموضوعات التي يمكن رصدها، لكن للمقالة، والأدبية منها على وجه الخصوص، مسار آخر تستطيع من خلاله أن تلامس ما هو أكثر قرباً من الناس في همومهم، ومشكلاتهم.
س7ـ هل لتخصصك العلمي في الهندسة الزراعية أثر في كتابتك الأدب العلمي مقالات وروايات؟
ج7ـ لطالما كنت شغوفة في الأدب، ومكتبة بيتنا الزاخرة بأمهات الكتب، وأثمنها كثيراً ما دعتني لأن تمتد يدي إليها لأقرأ وأقرأ، وكلما اطلعت على المزيد من تلك الكتب الثمينة ، انفتحت أمامي آفاق ما كنت لأعرف عنها لولا تلك الصفحات. وفي فترة ما من مسيرتي الأدبية ندمت على أنني تخصصت في دراستي الأكاديمية في فرع علمي، إلا أنني سرعان ما أدركت أنه لولا تحصيلي الجامعي، وما بعد الجامعي في هذا الاختصاص العلمي لما كنت قادرة على أن أقارب تلك الموضوعات التي تهتم بالعلم ومنجزاته الحضارية في مؤلفاتي عموماً سواء في روايات الكبار، أو في قصص الصغار. لقد أفادني اختصاصي هذا الذي نقمت عليه في مرحلة سابقة، وتمنيت لو أنني توجهت نحو فرع أدبي عوضاً عنه، أقول إنه أفادني جداً في البحث عن جذور الحقيقة العلمية، وفي منهج التفكير لدي، وفي اتساع مساحات المعلومات التي أطلعت عليهــا وحتى المتخصصة منها، فكانت هذه ذخيرتي فيما استفدت منه، وكتبت عنه. كل هذه الكنوز التي أصبحت أمامي بفضل اختصاصي العلمي تصلح لأن تكون موضوعات لأعمال أدبية، وأركز على صفة أدبية لأنها كذلك بالدرجة الأولى، ولأنني في هذه الأعمال لا أخرج عن مقومات العمل الأدبي.. فلو تناولت مثلاً موضوع (الاستنساخ الحيوي) في رواية كما في روايتي (من أنا.. من أكون؟)، وهي من الخيال العلمي، فأنا لم أتجاوز أصول الرواية وبنائها لصالح المعلومة العلمية البحتة، وإنما قمت بعملية تقريب مفاهيم، ومعطيات جديدة من خلال النص الروائي. وأن أكون مهتمة بالعلوم عموماً فهذا لا يعني أنني لا أبحث في الوقت ذاته عن الجانب الآخر من هذه العلوم، ألا وهو الجانب الإنساني، والأخلاقي، والبعد الفلسفي، وكلنا يعرف أن الفلسفة أم العلوم، وهي الضابط لكل ما عداها.
س8ـ وفاء لوالدتك، عملت بكل دأب وإصرار على إصدار المجموعة الكاملة لأعمالها الإبداعية. حدثينا عن هذه التجربة .
ج8ـ في حقيقة الأمر أنه ليس إصراراً مني بقدر ما كان تكريماً من الوطن السوري لمبدعيه وأعلامه، وهي مبادرة من وزير الثقافة في الإعلان عن رغبة وزارة الثقافة السورية بإصدار الأعمال الكاملة للأديبة (قمر كيلاني)، وفاءً منها، وعرفاناً لما قدمته تلك الأديبة الرائدة، وتكريماً لمسيرتها المشرقة.
وما كان دوري في سبيل تحقيق ذلك إلا متابعة مراحل النشر من أجراء تصويبات الطباعة، وكتابة مقدمة لرواية لم تكتمل هي (نجمة والدار الكبيرة)، وقد رصدت فيها أديبتنا تفاصيل الحياة الدمشقية في فترة الأربعينيات من القرن الماضي وحتى بداية الخمسينيات.
ولا أخفي عليك فرحتي الغامرة عندما صدرت تلك المؤلفات في مجلدات ثلاث، تجمع إليها الروايات في مجلدين، ومن بينها رواية (الدوَّامة) التي اختارها اتحاد الكتّاب العرب من بين الروايات المائة الأفضل في تاريخ الأدب العربي في القرن العشرين، وترجمت الى اللغة الفرنسية. أما المجموعات القصصية فقد جاءت جميعها في مجلد منفرد. وحالياً تُستكمل لدى وزارة الثقافة الأعمال الكاملة لينضم إليها مجلدٌ جديد يجمع إليه الدراسات المطبوعة في كتب. كما سيصدر كتاب آخر عن اتحاد الكتّاب العرب لمجموعة من المقالات. وكان قد سبق ذلك تكريم وزارة الثقافة لأديبتنا بإقامة ندوتين حول أعمالها الروائية والقصصية، وصدرت دراساتهما في كتابين منفصلين. وصدرت سيرة حياتها ضمن سلسلة (أعلام ومبدعون).
أما حرصي على متابعة كل تلك الإصدارات فمرده الى قناعتي بأن الأديب لا يغيب مادامت آثاره الأدبية بين أيدينا. لقد عرف الوطن قدر هذه الأديبة فلم يكتف بالاحتفاء بإصدار أعمالها الكاملة فقط،، بل أصدرت هيئة البريد أيضاً طابعاً بريدياً للتداول تخليداً لذكراها.
س9ـ هل من جديد في مشروعك الإبداعي سواء في أدب الأطفال، أو في أدب الخيال العلمي، أو في جنس الرواية بشكل عام ؟
ج9ـ أجل لدي مشروعات عديدة قيد التنفيذ من رواية جديدة في الخيال العلمي بعنوان (المرقوم) قاربت على إنجازها، ورواية أخرى في مسار مختلف هي رواية (نهر الزمن) التي تدور أحداثها في عالم من الفانتازيا الروائية كنت قد أنجزت الفصل الأول منها منذ أعوام وأعمل على استكمالها الآن. إضافة الى رواية للأطفال من عالم الخيال أحاول أيضاً أن استكمل أجزاءها.. ومشاريع صغيرة أخرى أرجو أن يسعفني الوقت لإنجازها كما أتمنى. وأكثر ما يشغلني مؤخراً هو التحضير لإنشاء موقع إلكتروني يضم بعض الآثار الأدبية لوالدتي.
* * *
ـ شكراً لكِ أستاذة لينا كيلاني على هذه الأجوبة المركزة الدقيقة التي ألقت الضوء على جوانب هامة من تجربتك في عالم الكتابة والإبداع . عرفنا من خلالها منجزك الغني في مجال أدب الأطفال الذي تشتد حاجة أطفالنا إليه أكثر من أي وقت مضى في ظل طغيان منجزات التكنولوجية الحديثة الشديدة الإغراء ، وكذا على عملك الهادف المتمثل في تقديم ديننا الحنيف إلى الآخر الغربي ، أطفالا وراشدين ، في صورته الصحيحة الخالية من الشوائب ، فضلا عن تنبيهك في منجزك الروائي المتميز إلى الأخطار الجسيمة للعلم والتكنولوجيا حين يستخدمان في أغراض تهدد حياة الإنسان والكائنات على الأرض ، وتؤدي إلى خراب العالم ودماره.
