الرئيسية » الصحة النفسية » التطور الفكري عند الغرب وإنهيار الثقافة عند العرب – ماجدة الدسوقي

التطور الفكري عند الغرب وإنهيار الثقافة عند العرب – ماجدة الدسوقي

الثقافة كلمة واسعة التعريف أثارت الكثير من التساؤلات ، والكثير من التعريفات لانها كلمة لا حدود لها في التفسير. ومهما تعددت التفسيرات فإن أصل الثقافة ومرجعيتها الموروث الديني والشعبي وهذا أدى الى نتاج إرث المجتمع من المعتقدات والتقاليد والعادات والأفكار والقيم الروحية والإجتماعية والإنسانية والمادية بالإضافة الى الفنون المختلفة في المجتمعات . بُنيت الثقافة الأوربية على الحضارتين الرومانية والإغريقية ومفاهيم البروتستانتية والكاثولوكية. اما نحن فثقافتناالاسلامية مبنية على الدين الاسلامي وبعض الموروثات التي لازمت الى حد ما ديننا. إن أصل الثقافة العربية هو ثقافة ما بين النهرين (العراق) ومصر القديمة والفينيقيين والإغريق والرومان زمن إستعمارهم لدول حوض البحر المتوسط.وهنا لا بد من الإشارة الى قول بعض المفكرين الأوروبيين والفلاسفة الغربيين ” إن أوروبا مدينة للعرب بأشعة النور الاولى التي أضاءت ظلمات غمرتها لمدة تفوق الإثني عشر قرناً.” .وهذا القول يشير الى تأثير الثقافة العربية على أوروبا عندما كانت في عصورالظلام ! فجابر بن حيّان ، والخوارزمي ، والرازي ، والبيروني، وابن سينا وابن الهيثم ، كل هؤلاء تَرَكُوا بصماتهم على الثقافة الأوروبية ، فالعلماء الاوربيون لم يظهروا الا في القرن الثاني عشر الميلادي . ثم خمد العلماء العرب الأكفاء وطور العلماء في الغرب ، بل زادوا على كثير من العلوم المنقولة عن العرب والتي هي أصلا جزءا من الثقافة العربية .ويُظهر مصداقية القول السابق لبعض المفكرين الأوروبيين العصرالزاهر للمسلمين في الأندلس بعد استقرار الأوضاع السياسية والحكم هناك .بدأ المسلمون آنذاك بالإهتمام بالعلوم الدينية والدنيوية معا فأبدعوا وخاصة في العمارة . وبما أن الأندلس اي اسبانيا حاليا جزءا من أوروبا فقد أصبحت قبِلة طلاب العلم من أنحاء أوروبا مما ساهم في نشر الثقافة العربية ولو بشكل بسيط في أنحاء أوروبا . ثم سقطت الأندلس لان المسلمين إنصرفوا الى حياة البذخ والترف والغناء واقتناءالعبيد والجواري وظهور أمراء الطوائف مما أدي الى ضعفهم وهزيمتهم النكراء هناك . كانت الأندلس آنذاك منارة العلم لفترة تزيد على خمسة قرون على الأقل . نسي العرب الدين الذي كان دافعا قويا لهم في الإبداع في مناحي الحياة كلها وأقبلوا على الدنيا وزينتها . ثم حدث التفكك العباسي وسقوط الدولة العباسية في المشرق على أيدي المغول الذين أحرقوا الأخضر واليابس وأهلكوا الحرث والنسل . وبعد هذا كله جاءت فترة الاستعمار البريطاني والفرنسي والايطالي حيث عمل المستعمرون على تقسيم الحدود كما شاءوا الى دول صورية فقط . وبعد كل هذا زاد التدهور والانحطاط في مشرقنا العربي لأسباب كثيرة . وعلى العكس من كل هذا إتحد الأوروبيون وألغوا الحدود بين الدول بالاضافة الى انهم يتعاملون بعملة واحدة . أما نحن فزدنا فُرقة وتناحرا وتخلفا سياسيا ودينيا و علميا واقتصاديا ثم ماذا حصل في بلادنا ؟ بعد أن كنا مصدر الإلهام في العلوم أصبحنا نستورد ما طوره العلماء في الغرب وطبعا لم نزد عليه نظرية واحدة !! ولم تتوقف عجلة نهضتنا الثقافية عند هذا الحد، بل إن الكثيرين من المفكرين والكتاب والاُدباء العرب بدأوا في الحض على استلهام الحضارة الأوروبية ووصفنا بالتخلف والجهل .لماذا هؤلاء لم يحضّوا على التجديد في ثقافتنا العربية؟ كان الإعجاب بحداثة أوروبا إلهاما لكثيرين من الأدباء والمفكرين العرب حتى ان بعضهم ترجم أعمالا ادبية الى اللغة العربية. ومن ثم دخلت أشكال فنية وأدبية جديدة مثل الأوبرا والمسرح والرسم والنحت والتصوير والقصة والرواية. وفي هذا المقام يُذكر عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين الذي كان من أول دعاة الاستلهام من الثقافة الغربية من ناحية نزوعها الإنساني . ولكن هل كانت الانسانية سمة لثقافتهم في استعمارهم لأقطار العالم؟

وبالمقابل كثير من المفكرين الأوروبيين- كما نادى بعض مفكرينا بالتركيز على النزعة الأنسانية في الثقافة الغربية – ولَعوا بحب الشرق والكتابة عنه. ألم يدافع سارتر عن إنهاء الإستعمار في الجزائر على الرغم من انه فرنسي الأصل ؟ ولكن ما هو السبب الداعي للكتاب والمفكرين العرب لأن ننهل من الثقافة الغربية ؟ والإجابة بكل بساطة هم انهم درسوا في الغرب او حصلوا على الشهادات العليا من هناك وانبهروا بالثقافة الغربية !!!! إنّ كثيرا من المفكرين العرب – وليس الدكتور طه حسين فقط – استلهموا الفكر الغربي اثناء إقامتهم هناك وأصبحوا من الدعاة اليه في المشرق العربي . والسؤال المطروح هو : هل نأخذ من الثقافة الغربية التي سبقتنا بعقود طويلة كل شيء بما فيها العادات والتقاليدالتي تُعد جزاء أساسيا من الثقافات ؟ وللإجابة على هذا السؤال لا بد من القول ان الثقافة الغربية التي قامت على الفكر البشري المتغير فيما بعد دون الإعتماد على نصوص دينية واضحة لم تعد موجودة. اما الثقافة العربيةالإسلامية فقد قامت على كتاب الله وسنة رسوله ، ولهذا يجب ان نرفض من الثقافة الغربية كل ما لا يمت بصلة لعباداتنا وتقاليدنا الاسلامية التي من المفروض ان تبث الطمأنينة في حياة الفرد وبالتالي في حياة المجتمع. بمعنى ان الثبات على العادات والتقاليد الإسلامية بمجمل أنماطها وأنواعها ثابتة الموازين والمعايير بينما في الغرب لا تخضع لمعايير ثابتة. غزا الغرب الشرق وأتلفه ولم يصلحه ولم يرفع من مستوياته المادية والعلمية والأدبية سوى تعليم لغة معينة . كان الاستعمار لنا للنهب والسلب والتقسيم الطائفي والعرقي والحدودي!! وهذا مما أهدر آدمية الانسان في الشرق. الانسان البدائي كان عاريا الا من قطعة جلد تستر بعض الأجزاء من جسمه ثم بدأ تطوير ملابسه ليستر جسمه كله وهذا يُعتبر تخلُّفا في الغرب !!! إشباع الغرائز الحيوانية بدءا من سن المراهقة جعل طابع الحياة عندهم متسما بالقلق وحتى أحيانا الانتحار ! هذا الإشباع محرم في العقيدة الاسلامية وحضارتها الا بشروط معينة او عقود ثابتة .الانسان في الغرب عبد للمادة وهو في مصنعه او في عمله أيا كان جزءا من الآلة التي امامه ولكن الله حررنا من عبادة المادة والربا الذي ينهش المواطن الغربي !!!!! ولكن للأسف الشديد بدأت بعض هذه القوانين الغربية تتوالد وتتكاثر في مجتمعاتنا الإسلامية. حرر الغرب المواطن من رسميات المعاملات اليومية ، فهي سهلة وبسيطة دون زحام وطوابير على عكس عالمنا الإسلامي الذي تحكمه القوانين غير المستساغة أحيانا. يتم توثيق المعاملات اليومية في الغرب بهدوء وسلاسة .

نحن حتى الان نتعلم كيف نطير لأننا ما زلنا نحبوا اما هم فقد طاروا عاليا وخلفُونا وراءهم في سبات عميق. لقد طوروا علومهم كلها وخاصة في ميادين التكنولوجيا ، وهكذا أصبحت القارة الافريقية والاسيوية سوقا كبيرا لجميع انواع مخترعاتهم .ان الله – سبحانه وتعالى – لم يقصر الذكاء على قُطر أو جنس معين. الاذكياء موجودون في كل هذا العالم ، ولكن ما الفرق بيننا وبينهم؟ هم يتعهدون الأذكياء والنوابغ منذ نعومة أظفارهم في جميع مراحلهم الدراسية وحتى بعد التخرج من الجامعات. مراكز الأبحاث في الغرب منتشرة كما الحانات والمقاهي والمطاعم !!! ودائما يمكن الإنفاق عليها بسخاء من الدولة ومن الأغنياء. الا يوجدعندنا اذكياء وعباقرة ومتفوقون في العلوم وحتى من صغار الأعمار؟ بلى يوجد !!!!!!! ولكن الجميع مقصرون أشد تقصير في الأخذ بيدهم ورعايتهم والانفاق على أبحاثهم. كم من البحوث العلمية في ادراج المكاتب في عالمنا الإسلامي. لنأخذ مثلا إسرائيل التي تنفق على الأبحاث العلمية أضعاف ما تنفقه الدول العربية كلها !!!! البعض يتفاخر بالقصور التي مقابض ابوابها من الذهب الخالص ، والبعض يتفاخر بما يقتنيه من سيارات تساوي الملايين ، واخرون يتباهون بما يمتلكونه من طائرات خاصة ويخوت فارهة!!!! الإنفاق على ملذاتنا الشخصية اهم بكثير جدا من الإنفاق على البحوث العلمية . ذُهلت من ان عالما مصريا – في برنامج تلفزيوني وهو “مصر تستطيع” خطّط جميع مواصلات ما تحت الارض في ألمانيا !!! للأسف هم المصنعون ونحن المستوردون . كم من شاب عربي يملك براءة إختراع ولا يجد من يتبناه ويُعينه ويمده بالمال اللازم وينفق عليه حتى يصبح عالما ذائع الصيت؟ اعتقد أنهم كُثر!

ولكن يبقى الأمل متجددا في أن تدفع قُدمًا الندوات الفكرية الإسهام في تطوير العلاقة الي الأفضل بين الثقافتين مثل ندوة جامعة فينس عام ١٩٧٧ وندوة هامبورج عام ١٩٨٣. ولعل انشاء معهد العالم العربي في باريس يُساهم في تعميق التواصل والتفاهم الثقافي العربي والأوروبي. والأمل الكبير ما زال يلوح في الأفق بمساهمة المثقفين العرب الذين هاجروا الى أوروبا نهاية القرن الماضي وأوائل القرن الحالي في ترسيخ أسس التعاون الوثيق بين الثقافة العربية والأوروبية

ماجدة الدسوقي – مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *